أستاذي الشيخ الطاهر حليس كما عرفته - الدكتور مسعود فلوسي

تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

alt

قبل ثمانية عشر عاما، غادر الدنيا إلى غير رجعة، أستاذنا الشيخ الطاهر حليس، رحمه الله، أول مدير للمعهد الوطني للتعليم العالي للعلوم الإسلامية في باتنة.. خلال هذه المدة أنسانا تتابع الأيام وتوالي الليالي ومر الشهور والأعوام أن نذكر أستاذنا بما يستحق وأن نُشيد بخصاله التي تميز بها، لقد انصرف كل واحد من تلاميذه وزملائه إلى خاصة نفسه واشتغل بما يعنيه، ناسين ما لهذا الرجل من فضل وما يجب له من حق. وهذه المقالة الموجزة محاولة للتعريف به وذكر بعض ما تميز به من فضائل وما تحلى به من خصال.

alt

معرفتي به :

تعود معرفتي بأستاذي الشيخ الطاهر حليس، رحمه الله، أو الحاج سي الطاهر كما كان يعرفه الناس في باتنة، إلى أيام المرحلة الثانوية، حيث كنت أزاول دراستي في ثانوية عائشة أم المؤمنين بحي بوزوران في مدينة باتنة، وكنت عند العودة إلى البيت أسلك طريقي عبر شارع الاستقلال (طريق بسكرة)، وأمر رفقة بعض زملائي أمام مقر محافظة حزب جبهة التحرير الوطني، وكان الحزب الوحيد حينئذ، أين كان الحاج الطاهر حليس يشغل منصب نائب محافظ مكلف بالثقافة. وكانت المحافظة في إطار نشاطها الثقافي تنظم ندوات وملتقيات دورية، وعادة ما تجري فعاليات تلك الندوات والملتقيات في المساء، وكان الأستاذ الطاهر حريصا على حضور الطلبة واستفادتهم مما يُلقى من محاضرات، ولذلك كان يعترض طريقنا عندما نكون بصدد العودة إلى بيوتنا حين نخرج من الثانوية، ويصر علينا أن ندخل إلى قاعة المحاضرات في المحافظة لنستمع إلى ما يقوله المتدخلون من أساتذة وباحثين، ويؤكد علينا أن في ذلك فائدة كبيرة لا ينبغي أن نُضيعها.

وفي تلك المرحلة كانت جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قد افتُتحت في قسنطينة، وكان يُدرِّس فيها عدد من العلماء من جنسيات مختلفة، فكان الأستاذ الطاهر حريصا على استقدامهم وتعريف أهل باتنة بهم، وأذكر أنه استقدم الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، والدكتور عمار طالبي والدكتور جبر الفضيلات الأردني وغيرهم، وكان يطوف على المساجد ويعلن للناس عن هذه المحاضرات ويدعوهم إلى حضورها والانتفاع منها.

وعندما حصلت على شهادة البكالوريا، كان في نيتي أن ألتحق بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، وفعلا ذهبت إلى هناك وشاركت في مسابقة الدخول، وكنت من بين الناجحين، ولكني عرفت بعد ذلك أن معهد العلوم الإسلامية بباتنة سيُفتتح في تلك السنة أيضا (سبتمبر 1987)، ولذلك بادرت إلى التسجيل ضمن قائمة طلبة أول دفعة تدخل هذا المعهد.

انطلقت الدراسة في المعهد، وتم إلحاقه مبدئيا بمعهد الشريعة في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، كما تم تعيين الحاج الطاهر حليس - الذي كان حينئذ أستاذا بمعهد الآداب - مديرا له.

جهوده في إدارة المعهد:

كانت صلتنا نحن طلاب المعهد بالشيخ الطاهر دائمة ومستمرة، فقد كان عددنا قليلا، إضافة إلى أن اهتمامه بنا كان مستمرا، فكان يستطلع آراءنا ويستمع إلى انشغالاتنا ويحرص على تحقيق ما أمكن تحقيقه من طلباتنا.

وخلال أربع سنوات من الدراسة، رأينا اهتمامه الشديد بالتحصيل العلمي، وحرصه على انتظام الدروس، وتفانيه في توفير الأساتذة وتهيئة الظروف المساعدة لهم على العمل والإفادة.

وكان من دأبه خلال تلك السنوات أن يدعو أساتذة زائرين من خارج الجزائر لتقديم محاضرات إضافية، وكان ممن حضر وحاضر، جملة من كبار الأساتذة المشهورين في العالم الإسلامي، أذكر منهم: أ.د. مصطفى ديب البغا (سوريا)، أ.د. محمد الزحيلي (سوريا)، أ.د. طه جابر فياض العلواني (العراق)، أ.د. أبو اليزيد العجمي (مصر)، أ.د. سليمان الخطيب (مصر)، أ.د. محمد حسن هيتو (الكويت)، أ.د. يوسف القرضاوي (قطر)، وغيرهم. وأذكر أن محاضرات هؤلاء الأساتذة كان الناس يجتمعون من أنحاء المدينة لحضورها والاستماع إليها، ولم تكن مقصورة على طلبة المعهد وحدهم، وهو ما جعل المعهد حينئذ قِبْلة لأهل باتنة ومركز إشعاع علمي حقيقي.

تتلمذنا على يديه:

دَرَّسَنا الشيخُ الطاهر حليس في السنتين الثالثة والرابعة مادة البلاغة، وكان يرجع إلى بعض الكتب المهمة في هذه المادة، ومنها كتاب (البلاغة فنونها وأفنانها) للدكتور فضل حسن عباس، رحمه الله، وكتاب (البلاغة العربية) للدكتور عبد العزيز عتيق، وغيرهما، وكان يدرسنا بطريقة متميزة تجمع بين الجد والفكاهة، ومن ذلك؛ أننا كنا نسأله أحيانا عن بعض المسائل المشكلة في البلاغة محاولين فهمها، فيقول مازحا: وما دخلي أنا، اسألوا عنها الجرجاني أو السكاكي أو غيرهما من علماء البلاغة، ثم يبتسم ويجيب.

بعد أربع سنوات من الدراسة، وقبل انتهاء السنة الرابعة صدر المرسوم الحكومي بترسيم استقلال المعهد عن جامعة الأمير عبد القادر، وتسميته (المعهد الوطني للتعليم العالي للعلوم الإسلامية)، ومع ذلك فقد تخرجت الدفعة الأولى "جوان 1991" تحت وصاية جامعة الأمير عبد القادر، حيث حضر الأستاذ الدكتور أحمد عروة، رحمه الله، مدير الجامعة حينئذ إلى باتنة ووقع شهادات الليسانس وأشرف على حفل التخرج.

وبعد أسبوعين أو ثلاثة من التخرج بشهادة الليسانس في العلوم الإسلامية، التقيت أستاذنا الشيخ الطاهر، وبعد أن سألني عن أحوالي وما أفكر في عمله بعد تخرجي، أخبرني، رحمه الله، أنه تم اختياري أنا وزميلي صالح بوبشيش وزميلتين أخريين للالتحاق بالمعهد، لمعاونة الأساتذة في التدريس كمطبقين، مع العمل في الإدارة والتكفل بالجانب البيداغوجي، وأوصاني بتحضير ملف التوظيف في أسرع وقت.

وفعلا التحقت بالمعهد، وزملائي الثلاثة، في بداية شهر أوت 1991، وفي بداية السنة الجامعية (1991-1992) كلفنا الشيخ الطاهر بتدريس بعض المقاييس كمطبقين.

فتح الدراسات العليا:

لكن طموح الشيخ الطاهر لم يكن ليتوقف عند هذا الحد، فقد كان هاجسه الأكبر هو دفعنا إلى التكوين العلمي العالي وتمكيننا من ولوج عالم البحث العلمي، ولذلك سعى إلى فتح الماجستير على مستوى المعهد، رغم حداثة المؤسسة وقلة الإمكانات.

وقد أثمر سعيه، إذ لم يلبث طويلا حتى تمكن من الحصول على ترخيص من وزارة التعليم العالي بفتح الماجستير، وأجريت حينئذ مسابقة لاختيار الطلبة، نجح فيها مجموعة من المترشحين من طلبة المعهد وطلبة جامعة الأمير عبد القادر، وكنت واحدا منهم.

حرص الشيخ الطاهر على أن يوفر لنا الأساتذة الأكفاء المؤهلين لتدريسنا المواد المقررة، وفعلا تم تكليف الدكتور يوسف حسين أحمد الذي درسنا الأصول والفقه المقارن، والدكتور علي عبد الفتاح المغربي، رحمه الله، الذي درسنا منهجية البحث العلمي، كما تم استقدام أستاذ من جامعة الأمير عبد القادر، هو أستاذنا في التفسير والحديث الدكتور محمد الطاهر الجوابي رحمه الله.

انتهت الدروس النظرية، وجاء موعد اختيار الموضوعات لتسجيلها على مستوى المجلس العلمي، واخترت أن أبحث في موضوع (مدرسة المتكلمين ومنهجها في دراسة القواعد الأصولية)، على أن يكون المشرف هو الدكتور محمد الطاهر الجوابي (تونس)، واختار زميلي صالح بوبشيش موضوع (الحيل الفقهية ضوابطها وتطبيقاتها على الأحوال الشخصية)، مع نفس المشرف.

ورغم أننا كنا نعمل كإداريين، أنا وزميلي صالح، إلا أن الشيخ الطاهر سمح لنا أن نخصص أكبر وقت ممكن للعمل في البحث، وما هي إلا سنة حتى كنا قد أعددنا رسالتينا، بعد أن أصبح المشرف عليَّ هو الدكتور يوسف حسين أحمد (الهند)، والمشرف على زميلي صالح هو الدكتور حسيب حسن السامرائي (العراق)، وتم تشكيل لجنتي القراءة على مستوى المجلس العلمي.

بعد وصول التقارير بصلاحية الرسالتين للمناقشة، كان لابد من الحصول على رخصة المناقشة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العاصمة، ولذلك سافر الشيخ الطاهر بنفسه مرتين إلى العاصمة وجاء برخصة المناقشة، بعد أن تكبد متاعب مضنية.

وكان اليوم المشهود، يوم المناقشة، 15 جوان 1994م، حيث أقبل الناس من كل حدب وصوب لحضور مناقشة أول رسالتي ماجستير على مستوى المعهد، وقد غصت بهم القاعة الكبرى لمسجد أول نوفمبر، وتمت مناقشة رسالة أخي صالح في الصباح ورسالتي في المساء، وحصلنا على شهادة الماجستير، هو في الفقه وأنا في الأصول.

فرحة لم تدم:

وإن نسيت فلست أنسى تلك الفرحة الغامرة التي ملأت نفس أستاذنا الشيخ الطاهر حليس، وظهرت جلية على محياه، وعبر عنها بلسانه عدة مرات. وهي الفرحة نفسها التي ظهرت على وجه الرجل الكريم المجاهد العقيد الحاج لخضر رحمه الله، الذي حضر المناقشتين، وظل جالسا مستمعا ومتابعا لما يقوله الأساتذة المناقشون، منذ الصباح إلى آخر المساء.

أيام قليلة بعد ذلك، وافق المجلس العلمي على ترقيتي وزميلي صالح بوبشيش إلى منصب أستاذ مساعد، وبذلك اكتملت فرحتنا وفرحة أستاذنا الدكتور الطاهر حليس رحمه الله.

لكن هذه الفرحة لم تدم طويلا، إذ بعد ثلاثة أشهر، امتدت أيادي الغدر والإجرام لتغتال أستاذنا الكريم. ففي مساء يوم الجمعة (21 أكتوبر 1994)، وبعد أن صلى المغرب في مسجد علي بن أبي طالب بحي كموني، وهو أقرب المساجد إلى بيته، ولما خرج منه وكان في طريق عودته إلى بيته، اعترض طريقه من أطلق عليه النار فأصابه برصاصة أو بضع رصاصات في رأسه، سقط إثرها شهيدا مضرجا بدمه.وفي اليوم الموالي، تم تشييع جنازة أستاذنا بعد أن صُلي عليه في مسجد أول نوفمبر، وقد سار خلف نعشه الآلاف من أهل باتنة الذين يعرفون فضله وأعمال الخير التي كان يشارك فيها. وبعد كلمة التأبين التي ألقاها الدكتور أحمد رحماني، تم دفن الفقيد إلى جوار أمه رحمها الله والتي كانت قد توفيت قبله بشهر أو أكثر قليلا.

خصاله النادرة:

واليوم، وبعد ثمانية عشر عاما من رحيل أستاذنا رحمه الله، نذكره بخصاله الكريمة وأخلاقه العالية التي كان يتمتع بها ويتميز بها عن كثير من الناس.

لقد كان يتميز بتواضع مثالي لا نظير له، فما عاملنا يوما على أننا تلاميذه أو مرؤوسوه، وإنما كان يعاملنا كإخوة وأصدقاء، فكان لا يَمَلُّ جلوسَنا معه في مكتبه، وإذا غاب أحدُنا أو تأخر قليلا في الحضور سأل عنه ولامه على عدم المجيئ إليه.

وكنت شخصيا أجلس معه في مكتبه كثيرا، وعندما نكون لوحدنا، كان يخرج من محفظته مبحثا أو فصلا من رسالته، ويناولنيه ويخاطبني قائلا: اقرأه وانظر ما يحتاج منه إلى تقويم فقومه، رغم أني تلميذه وفي عمر أكبر أبنائه. وفعلا كنت أقرأ العمل وإذا وجدت فيه خطأ من أي نوع أشَّرت عليه، وعندما أجلس معه من جديد أذكر له ما وجدته من أخطاء، وهي في العادة أخطاء بسيطة جدا، نتيجة السرعة في الكتابة أو السهو في النقل، فيأمرني قائلا: وماذا تنتظر لكي تصححه، صحح في الورقة نفسها وسأعمل بالتصحيح عند رقن البحث.

وإضافة إلى التواضع؛ كان الرجل بسيطا كل البساطة، في كلامه وسلامه، في حديثه وصمته، في ملبسه ومركبه ومسكنه، في جلوسه ووقوفه ومشيته، كان يأتي كلَّ ذلك على سجيته، دون تكلف أو افتعال، يعامل الكبير والصغير، والرئيس والمرؤوس، والمشهور والمغمور، معاملة واحدة لا تبديل فيها ولا تغيير.

ومن عجائب بساطته؛ أنه كان في بعض الأحيان لا يعود إلى بيته عند الظهر، فإذا شعر بالتعب أو غلبه النعاس، افترش على الأرض قطعة من الكرتون أو سجادة صلاة، واستسلم للنوم، بعد أن يوصي أحدنا بإيقاظه إذا لزم الأمر.

كما تميز رحمه الله بالكرم المنقطع النظير، فلم يكن يبخل على أحد بشيء، وكان يحرص على دعوتنا إلى بيته وتناول طعامه، وخاصة في المناسبات. بل أذكر أنه دعاني أكثر من مرة دون أي مناسبة.

وقد انفرد رحمه الله بالتفاني في خدمة المصالح العامة بشكل يجعله في أحيان كثيرة ينسى حقوق أسرته وأولاده. وأذكر أني رأيته أكثر من مرة يوم الجمعة في المعهد، إذ بعد أن ينتهي من إلقاء الخطبة وأداء صلاة الجمعة في مسجد "فسديس" في الضاحية الشمالية من مدينة باتنة، كان يمر بالمعهد أولا، حيث يقضي وقتا يطول أو يقصر، قبل أن يعود إلى بيته. وكان إذا قصده أحد في مصلحة ما، يبذل كل ما يمكنه من جهد، في سبيل تحقيق تلك المصلحة، كائنا من كان ذلك الشخص، وربما عرَّضَ نفسه للإحراج بسبب ذلك، دون أن يبالي.

لقد عشنا مع الشيخ الطاهر رحمه الله سبع سنوات متتالية، ما رأينا منه خلالها إلا كل خير، وما عرفنا عنه إلا الصلاح والتقوى والسعي في نفع المجتمع والناس.

والحق أني ما رأيت في حياتي مثله فيمن عرفت وعايشت من الناس. ومهما قلت فيه، فإنني لن أستطيع الوفاء بحقه.

وما شهدت للرجل إلا بما علمت، ولا أزكي على الله أحدا.

نسأل الله عز وجل أن يتغمد أستاذنا برحمته الواسعة، ويحشره في زمرة الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. آمين.

آخر تحديث: الثلاثاء, 28 مايو 2013 13:52

You are here